نتابع في موقعنا كل حصري اليوم , ,
#النسيان #أخبار #السعودية #صحيفة #عكاظ
كان قدر أبي غازي أن يستأجر بيتاً بعدما تزوج، وكثر أفراد الأسرة، فهو لم يكن وريث أب غني، وليس لديه من الأعمال ما يرد عليه بما يكفي لشراء منزل كما هو حال معظم الناس في بداية حياتهم العملية التي لا بد فيها من التعب، وهو المثقف الذي يقتنع بفلسفة أبي العلاء المعري، ويردده ليشعر بالارتياح كلما ضاقت به الحياة،
تعبٌ كلُّها الحياة فما أعــــــجب إلا من راغب في ازدياد
أخبار ذات صلة
كان يواصل ليله بنهاره، ليكسب بعرق جبينه ما يكفيه شر الحاجة، وسؤال صديق أو قريب، فواصل كد الأيام والسنوات، ولأنه يقنع بالحظ، وأن الحياة قسمة ونصيب، فقد بلع الغصة في الحلق، وقبل أن يعمل بما لا يتناسب وتعليمه ريثما يتمكن من الحصول على وظيفة لائقة، وكما كان يردد نقتنع بالمؤقت حتى يجيء النصيب، وهكذا تقلب في غير عمل، وبدل أكثر من مهنة بعدما تزوج وأصبح أباً لطفلة لا بد من تأمين احتياجاتها، كما أنه ربُّ أسرة، ولديه زوجة لها متطلباتها، وضرورة أن يستقل ببيت جديد بعيد عن مشاكل العائلة والحماة والكنة والقيل والقال، وهكذا كان قرار مغادرة المنزل، وبدأت رحلة البحث عن سكنٍ جديدٍ عله ينسى واقعاً مفروضاً، وحالةً لا بد له من التكيف معها…
وفي رحلة البحث التي أرجعته ليتذكر رحلة ابن بطوطة، مع أنه كما يصف نفسه مثقوب الذاكرة والجيب، فهو لا يتذكر إلا اللحظة التي يعيشها، وكانت تلك المسألة غالباً ما تسببُ له الكثير من الحرج عندما يقابل شخصاً يسلم عليه، فيعجز عن تذكر اسمه، أو أين التقى به، وكيف تعرَف إليه أول مرة، إلا أن تلك المسألة التي كانت مشكلةً في وقتٍ سابق أصبح يجد فيها خير وسيلة للنسيان، وتجاوز الواقع، والحياة التي ألقت بأعبائها الثقيلة عليه، فأصبحت تلك المشكلة نعمة لم يكن يدري أنه يمتلكها، لولا أن سمع مصادفةً عندما كان في الطريق إلى عمله من أحد المحال المطربة ميادة الحناوي تغني من المذياع: «وأنت مكتوب لك يا بختك نعمة النسيان»، وهكذا راح يستشعر في نفسه قوةً لم يكن يعرفها، ليزيد من قناعاته بأن الإنسان يمتلك قوى خفيةً بلا شك، ولكنه لا يدركها لانشغاله بالحياة، وأموره الدنيوية، فلا بد من تأمل الإنسان نفسه ليكتشف ما منحه الله من قدرات كامنة لا يجوز له أن يبقيها في طي الجمود، وهكذا اكتشف أبو غازي أن ما كان يزعجه، ويسبّب له نوعاً من الحرج، والمواقف المربكة وجد فيه مجالاً لتجاوز الواقع، والتكيف مع الحالة، والظروف الطارئة، وراح يتابع مسيرته البحثية في الوصول إلى استئجار بيتٍ جديدٍ، وقد تحقق له ما أراد، فاستأجر منزلاً في أحد الأبراج متوسماً في هذا العلو أن يغير واقعه، فالمنازل كما كان يسمع من حكايات الجدة كالنساء قد تسعد الرجل، أو تجعله يعيش الأمَرين، فالحظ في العتبة كما كان يسمع، وهكذا تفاءل بالعلو، وأنه سيسكن في الطابق السادس، ما أعاده بالذاكرة إلى أيام الطفولة عندما كان تلميذاً في الصف السادس، ولم يدرِ كيف قفزت إلى ذاكرته تلك المرحلة، وهو الذي لا يتذكر إلا لحظته، فاستبشر بهذا التداعي الاستذكاري خيراً، وراح يقصُ على صاحب المنزل حكايته حينما كان تلميذاً متفوقاً يشيد فيه مدرس اللغة العربية، فيصطحبه من شعبة إلى أخرى، ليقرأ عليهم موضوعات الإنشاء التي كان مميزاً فيها، وبعدما انتهى من الحديث، ووقع عقد الإيجار، ودفع أجرة ستة أشهر مقدمةً، لينطلق مسرعاً مستبشراً بما أنجز إلى زوجه، ليبدأ بنقل ما لديه من أثاث، اتصل بالمؤجر يستفسر عن مفتاح غرفة المصعد، فردَّ صاحب المكتب بأن المصعد في البناء معطل، ولا إمكانية لإصلاحه في المدى المنظور، وعليه أن يتحمَّل الواقع، وينسى أمر المصعد.